خواطر: عمّان

أعود من الغربة بين الحين والآخر. حنين إلى وطني وشوقٌ إلى ذكرياتٍ باتت الآن أن تكون منسية. أعود مسرعاً لأحضن عائلتي التي أذابني شوقي إليها. أعود إلى ابتسامة أمي وضحكات أخواتي الثلاث. إلى الحديث مع والدي عن الماضي والحاضر والمستقبل. نورٌ تنتظرني كي أداعب يديها الصغيرتين وأملأ قلبها بضحكتها التي لطالما أسرتني وجَعلت من الصعب فراقها. كم أتمنى البقاء. كم أتمنى عدم العودة. ولكن لا أستطيع. لا أستطيع البقاء حيث تنمحي الذكريات. سنتان مضتا. كم تغيرتِ يا عمّان، كم أصبحت غريبة الأطوار والمعالم. كم جارت عليكِ قسوةُ البشرية. كم نبشوا من روحك واستلذوا بجسدك. أنت غريبة الآن، لا أميزكِ عن غيرك من المدن والبلدان. تآكلت روحك في سبيل التطور والتوسع والحضرية. أزالوا أجزاءً منك لطالما تزينتي بها. من أين أبدأُ يا عمّان؟  جفا قلبي ولم أعد أريد البقاء.

آسفٌ لأني لم أستطع أن أفعل شيئاً. رأيتهم يقتلعون أشجارك ويقتحمون تاريخك ويشوهون معالمك. كنت أشاهد عن بعد كيف كسوا أرضك بأشياء لا تعنيني. لا تعنيني أمولاهم ولا مخططاتهم ولا أي من أفعالهم. يعنيني تاريخك وثقافتك التي بالكاد باتت مرئية. أصبحنا نحيي لغتنا العربية التي اندثرت في سبيل التقدم والمثالية. كيف لنا أن ننسى من نحن في هذه المدة الزمنية القصيرة؟ أتساءل باستمرار عن الأسباب التي جعلتنا نلبس ذلك الرداء ونكاد نريد أن لا نخلعه. أتجول العالم من خلال عملي الذي يتيح لي السفر إلى أنحاء مختلفة من العالم وأنظر بتقدير وتعجب إلى الجهود التي تبذلها هده الدول ليس فقط للتطور والنمو، ولكن للمحافظةِ على روح مُدنهم وجمالها وطابعها الخاص الذي لطالما تميّزت به. ونحن يا عمّان نحول أحياءك السكنية القديمة التي تروى قصصها على لسان قاطنيها إلى مجمعات طبية وشوارع تجارية. نقتحم أبوابها الخشبية القديمة لنُعرَّيها من فستانها الحجري. نطرحها أرضاً لتتغلغل أسس لمبانٍ زجاجية حديثة لتتزين بعد ذلك بأسماءٍ وأضواءٍ لا تَمت لكِ بصلة.

لكنني اليوم رأيت ما غشيت عينايَ عن رؤيته. تتجلى تحت هذه الصورة البشعة التي رسمتها الرأسمالية إرادة أفراد يسعون لمستقبل مشرق. إرادة أفراد رسمت البسمة على وجنتي. كم أنا فخور بمجتمع يسعى للحفاظ على هويتك ويعمل جاهداً لخلق تغيير في خارطة الحاضر والمستقبل. من خلال مدونتي تعرفت على العديد من الأفراد المبدعين في مجالات مختلفة، خاصة في مجال الطهي والتصميم. تحدثت وتواصلت مع العديد منهم سواءً وجهاً لوجه أو عن طريق شبكات التواصل الاجتماعية من مختلف أنحاء العالم إيماناً مني ويقيناً بأنهم سوف يقودون التغيير في مجتمعنا وفي مدينتنا الصغيرة. كنت واثقاً أنه يوماً ما، سوف يرسم هؤلاء الأفراد طريقاً إلى مكان أفضل، ليس فقط لأنفسهم، بل للأجيال التي تليهم. يتجدد إيماني ويزيد تقديري لصانعي المستقبل حين أتصفح إحدى أشهر المجلات العالمية التي تصدر شهرياً لأجد مقالا شيقاً عن أحد هؤلاء الأشخاص، عن عمان وعن الأردن. بدأت مسيرتي في الكتابة من ثلاث سنين مضت، واليوم، سأكرس نفسي ووقتي، حتى وإن لم أكن ذلك القرب من وطني لأخبر العالم عن ما يكنزه الأردن من إبداع وتصميم وموهبة. ومرة أخرى من آلاف الأميال عالياً في السماء، أنهي ما بدأت، وأشارككم بعض ما نشرته مجلة MONOLE خلال العام الذي مضى عن عمان.

VISIT JORDAN x MONOCLE

Food Neighbourhoods 59: Amman, Jebel Weibdeh

img_0233.jpgIMG_0234IMG_0238

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s