رمانة: سياحة مجتمعية في أحضان جديتا

لم أكن أدرك يوماً أنني سأبدأ مغامرة الكتابة باللغة العربية على صفحتي التي تهتم بدعم الأفراد المبدعين الذين يُسَّخرون جهدهم ووقتهم للنهوض ببلدنا الحبيب عن طريق فن الطهي. ثلاث سنوات مضت على إنشاء الصفحة التي تنشر الوعي على المستوى العالمي عن هؤلاء الأفراد ومنتجاتهم سواءً كانوا هواةً للطبخ أو طهاة محترفين. خلال ذلك الوقت ومن خلال هؤلاء الأشخاص، توسعت معرفتي بالمزيد من الأفراد الذين يحاولون وسعهم إما لدمج نكهات الأردن والشرق الأوسط مع نكهات وأطباق عالمية أو عن طريق المحافظة على الإرث الذي تناقلته الأجيال عبر الزمن. ’رمانة’ هي إحدى هذه المشاريع الصغيرة التي تبلورت معرفتي بها من خلال الصفحة الخاصة لمبادرة ذكرى على وسائل التواصل الاجتماعي. سعدت بالتحدث مع إحدى الشابات اليافعات من الفريق المكون من خمسة من الأصدقاء الذين بدؤوا برحلة رمانة للحفاظ على إرثهم وثقافتهم ودعم مجتمعهم المحلي في قرية جديتا شمالي الأردن.

17362934_1367869609935914_8932523609810464631_n

بعد مواجهة الصعوبات في تأمين وظيفة في مجال دراستهن، بدأت ضحى، مرام، وسلام في التفكير في وسيلة لتكريس وقتهن والمعرفة التي اكتسبنها خلال دراستهن الجامعية، واستغلال الموارد والمصادر الطبيعية التي توفرها جديتا، لتأمين مصدر رزق لهم، ولدعم مجتمعهم المحلي عن طريق مركز تنمية المجتمع المحلي في جديتا بدعم وتمويل من مؤسسة التعاون الدولي التابعة للجمعية الألمانية لتعليم الكبار، وبالشراكة مع مبادرة ذكرى، بدأ الفريق رحلة التخطيط لرمانة، المشروع الذي يسعى لتشجيع السياحة الداخلية والمجتمعية وتعريف السياح سواءً الأردنيين أو غيرهم على جديتا، وقضاء يوم في رحاب الطبيعة والتعرف على عادات وتقاليد السكان المحليين عن طريق نشاطات مختلفة مستوحاة من ذكريات الماضي التي تميز جديتا عن غيرها من قرى المملكة.

”تنوع المواسم وتميز كل موسم عن الآخر رسم بدايات مسيرة رمانة. لقد بدأنا بتشكيل رزنامة سنوية للمحاصيل الزراعية والمنتجات المحلية بالإضافة إلى قائمة بالمأكولات الشعبية الخاصة بكل موسم،“ كما ذكرت ضحى إحدى القائمات على هذا المشروع. منذ انطلاق المبادرة، عملت الشابات الثلاث على تخطيط وتنفيذ ما يزيد عن عشر رحلات تتضمن مواسم ونشاطات مختلفة، تشمل مواسم قطف الرمان والزعتر وموسم صناعة الجبنة. ”قمنا بالتعاون مع العائلات المحلية بإيجاد وسيلة تتيح لنا دمج الثقافات وتكوين علاقات اجتماعية وصداقات بين سكان المنطقة والمشاركين في رحلات رمانة. واجهنا بعض الصعوبات في تقبل العائلات لهذه الفكرة نظراً لعادات وتقاليد المنطقة حين يتعلق الأمر بعمل المرأة وتفاعلها مع زائرين من بيئات مختلفة خصوصاً الذكور منهم. ولكن عند تفسير الهدف من هذا المشروع وتوضيح العائدات على المجتمع المحلي سواءً المادية منها أو الاجتماعية، زاد اهتمام العائلات بالمشاركة وأبدَوْا تعاونهم لدعم الفكرة.“  حيث خضعت العديد من العائلات المختارة لتدريب عملي وتعريف بمفهوم السياحة المجتمعية وعائداتها الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع المحلي.

بيت أبي صدام هو إحدى العائلات التي احتضنت مشروع رمانة. هذه العائلة تعتبر أنموذجاً في طبيعة العيش الإنتاجية؛ حيث يقوم أفرادها بتأمين احتياجاتهم اليومية من الزراعة وتربية الدواجن والأبقار. قام الفريق وبالتعاون مع أبي صدام بتهيئة الساحة الخارجية للمنزل لتكون بمثابة منطقة الاستقبال ومركزاً للنشاطات. استخدام الموارد الطبيعة كان أساسياً حيث قام الفريق باستخدام جذوع الأشجار لصناعة المقاعد، حيث أنه من الأهمية أيضاً رسم طابع المنطقة من خلال اسخدام الجلسات العربية التي تحاكي الطبيعة وثقافة وإرث المنطقة.

يبدأ التخطيط والعمل على تصميم مسار جديد ونشاطات تناسب الموسم بدراسة مكثفة للمنتجات المحلية، والمعدات المراد استخدامها وكيفية توفير كافة هذه الوسائل من المجتمع المحلي لجديتا. ”نقوم بعد دراسة الأفكار من كافة النواحي وتجربتها بتطوير وتعديل النشاطات بناءً على ناتج التجربة والمعطيات المقترحة من الفريق نفسه أو الأفراد الذين تطوعوا للمشاركة في التجربة. عند تبلور واكتمال الفكرة نقوم بالترويج للتجربة على صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة بنا.“

تبدأ ”تجربة الزعتر“ في الصباح الباكر في إحدى أيام نهاية الأسبوع بالتعرف على الأفراد المشاركين والتعريف بأعضاء الفريق المكون من بلال، سلام، ضحى، محي الدين، ومرام. أول محطة هي مزرعة الزعتر حيث يشارك الزائرون في قطف وتجهيز الزعتر لصناعة فطائر الزعتر الشهيرة بإشراف أم صدام وفريق رمانة. يتجمع الزوار حول مائدة الإفطار المتنوعة من الخضروات والبيض واللبنة والجبنة. بعد وجبة لذيذة وإفطار شهي، يتبع ذلك التحضيرات لوجبة الغداء، المكمورة، التي تتميز بها منطقة جديتا: طبقات من العجين المحشوة بالدجاج، البصل، زيت الزيتون، والسماق البلدي، والمطهوة في فرن الطابون. جولة سير على الأقدام لمدة تتراوح بين ٤٥ دقيقة وساعة ونصف في منطقة مختارة بعناية من قبل محي الدين تشمل  أحد المسارين: الأول وادي الريان المعروف بأشجار الرمان والتين، والآخر في غابات برقش المشهورة بكثافة أشجارها وتنوعها كالقيقب والزعرور والزيتون والعنب، وأزهار الربيع الموسمية كالدحنون والسوسنة السوداء، ليستمتع المشاركون بطبيعة المنطقة الخلابة. يختم المشاركون يومهم في إحدى بساتين الرمان أو في غابات برقش بتناول وجبة الغداء والاسترخاء والاستمتاع بكأس الشاي والكنافة المحضرة على الحطب.

رمانة، المشروع الواقع في جديتا، في محافظة إربد شمالي المملكة، والذي يبعد ٨٠ كم عن العاصمة عمان، لقي إعجاب وزيرة السياحة والآثار لينا عناب بعد زيارتها المشروع مهنئةً الفريق على جهودهم وتصميمهم للنهوض بأنفسهم ليكونوا مصدر إلهام للكثيرين غيرهم في مختلف مناطق المملكة.

screen-shot-2016-09-17-at-10-49-42-am

رمانة

RummanaJeita

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s